Leil-Zahra Mortada

making noise, and more noise

في مواجهة الموت “الطبيعي”.. وداعا باسم

 

لقد تعودنا الموت منذ الصغر ايها الرفيق. لكننا تعودنا موتا مختلف الطعم. تعودنا الموت برصاص قناص او موت الاغتيالات والتفجيرات، الموت على خطوط التماس ونقاط التفتيش، الموت تحت الحصار، موت القصف الجوي والبحري والبري. تعودنا الموت برصاص شرطة ما، او جيش ما، او ميليشية ما، او دين ما، او مرض ما.. ولكننا لم نعتاد الموت “الطبيعي”. هذا الموت الذي يتوقف فيه الجسد عن العمل، الرمق الأخير. ولكن هذا الرمق الأخير جاء مبكرا جدا! بكير كتير يا باسم!

هذه المرة لا نملك نظاما نتهمه ولا وزارة نشكو اجرامها! ولا حتى مستشفى رفضت ان تعالجك كما اعتدنا الموت في بلادنا. لا نملك حتى غضب لوم طبيب ما، او وزارة الصحة، او كل نظام الإتجار بالمرض وبالعلاج. لا نملك سجنا نكرهه ولا سجانا نحتقره ولا قاضيا نعاديه لموتك. لا نجد حزبا يحمل مسؤولية الدم ولا اعلاميا مأجور نبصق في وجهه حزننا. لا دول نقاطعها ولا سياسات نعاديها ولا حروب نقاومها ولا دكتاتوريات نسقطها! لقد رحلت، انت، وقفت ومشيت. اما نحن من اعتدنا الموت على يد النظام، وليس بيد الدنيا يا باسم، فكيف نتعامل مع هذا؟ كيف نمشي وبأي اتجاه؟ انصب غضبنا على الهة كفرنا بوجودها منذ زمن؟ ام نبحث عن اله نرسمه في خيالنا نرمي عليه وجعنا في محاولة بائسة لتهوين المصاب؟ ام نبكي  في صمت؟ اننسحب لنتقبل انه من الممكن ان نكون وصلنا الى سن اصبح الموت الطبيعي فيه امرا واقعا يجب ان نتعايش معه؟ موتا جديدا يضاف الى قائمة الاحتمالات؟ ولكن بالرغم من ثقل الروح والجسد، الا انه من المبكر جدا ان ترحل… طبيعيا! لا ترحل! بعد بكير. ما زلت للكثير منا الطفل الذي نخرجه عن طوره والذي يفقد السيطرة على اعصابه فيصرخ بنا ثم يجلس ورأسه بين يديه ينفخ سيجارته قبل ان يبتسم ويعود للنقاش مرة اخرى. لا زلت تلبس القميص المخطط، ولا زلت تتكلم عن العمال في المصانع، وعن المجموعة السياسية، وعن الحملات وعن المبادرات، وعن مواجهة العنصرية والذكورية والفاشية الوطنية، بينما تطارد فلسطينا حرة وتلهث وراء سوريا والبحرين ومصر والاممية وتملأ كأس نبيذ آخر. لا زلت انت وستبقى. سنكبر كلنا، وسنهرم، وانت ستبقى شابا في منتصف الثلاثينات. مش رح تختير يا باسم! ستبقى انت في الشقة تلك التي شهدت كل تحديات المجتمع والدولة والتقاليد وجمعتنا قوة تواجه كل هذا، تقف هناك تطبخ وتكتب وتنفخ سيجارة بعد الاخرى ونقاش بعد اجتماع على ضوء شاشة كومبيوتر لم تنطفىء ابدا. سنهرم نحن وستبقى انت مبتسما غاضبا هادئا ثائرا في منتصف الثلاثينيات.

10460254_10152727828795928_250037246799752844_n

عن اي ميليشيا نتكلم؟ هل نلوم الممانعين، ميليشيا الاسد الاعلامية، الذين اتعبوا قلبك؟ هل نلوم النظام الطائفي الذي واجهته بصرخة اسقاطه؟ هل نلوم المسيرات تحت المطر؟ ام الاجتماعات ونتمنى لو اننا انهيناها باكرا لتتمكن من النوم قليلا؟ ام نلوم انفسنا لاننا تركناك تكتب التصريحات بعد انتهاء الاجتماع كل مرة؟ او نتهم مضايقات الشبيحة؟ او جرائم الجيش و معتقلات الامن العام للعمال والعاملات الاجانب؟ هل نلوم الطبيعة التي امننا بها؟ ام نؤكد على  معاداتنا التاريخية لقوة الرأسمالية والامبريالية والاستعمار؟ هل نحتقر اسرائيل اكثر لانها جرتك الى ايام وليالي بدون نوم تجالس قائمات الاعاشة؟ ام نلوم انفسنا لاننا لم نقل لك توقف؟ او نلوم الجسد الذي لم يستطع ان يتحمل نيران الروح المشتعلة دوما؟ هل نعاتبك لانك لم تهتم بقلبك اكثر، ام نعاتب انفسنا لاننا لم ننسى اجسادنا في القضية اكثر؟ هل نعاتب انفسنا اننا لم نجتمع قبل موتك ولم نتكلم عن خلافات مضت؟ هل نبكي؟ هل نصرخ؟ هل نشتم؟ ما العمل؟ اكتب بيانك الاخير واشرح لنا من نلوم؟ انلومهم كلهم ام نلوم انفسنا ام نلومك؟ ام نتقبل الامر؟ ولكن كيف نتقبل رحيلك؟! مازال امامنا الكثير و”البشاعة كثيرة”. ما بيننا نقاشات لم تنتهي، ومشاريع لم تجهز، وكلام عن مستقبل ناضلت من اجله. لا ترحل، بعد بكير. ما بدك ناكل بوظة بالشام ونشرب بيرة بقاسيون؟

ويبقى السؤال لماذا انت ولماذا الآن! لماذا يرحل من لم يفقد الامل بينما فينا من يجرجر اذيال هزائم وخيبات امل لا متناهية؟ لماذا يرحل من كانت لديه الطاقة والقوة والاصرار ونبقى نحن من نتفادى الموت فقط خوفا من تأثيره على من نحب لا خوفا منه. نخاف الموت طواعية يا باسم حتى لا نحبط من نحبهم اكثر لا حبا بالدنيا وما فيها. ترحل بحرقة قلب سترافقنا زمنا بانتظار مرور الوقت على الالم. رحلت وتركت حملا في زمن لا نقوى فيه على حمل ما تبقى من قضايا في دمنا. من الارجح اننا لن نعرف جوابا لرحيلك الآن، ومن الارجح اننا لن نفهم يوما لماذا رحلت ولن نعرف لماذا لم نتكلم قبلها. لن نفهم لماذا لم نجتمع كلنا المتشردين والمتشردات في كل بلد وقضية وهم. ولكننا هنا الآن، اجتمعنا يا باسم حول وجع رحيلك وكأنك رفضت ان ترحل قبل ان تدعونا الى اجتماع اخير. اجتماع تختلط فيه دموع الحداد مع ابتسامات اللقاء باحباء وحبيبات بعد طول سنين لنعود ونبكي رحيلك. اجتماع نتذكرك فيه وتذكرنا انت بأيام مضت شكلتنا وصنعتنا وتركت ذكريات جميلة نستمد منها قوتنا اليوم، يوم رحيلك. نضحك يا باسم في ذروة الالم. نتذكر انفسنا في صور فوتوغرافية لشابات وشباب نرقص ونتظاهر، نضحك ونصرخ، نغني ونشتم، نشرب نبيذا ونطبخ نضال لنعود ونتشاجر حول قرار ما او استراتيجية ما ولكن ابدا حول القضايا والمبادئ. نسترجع تلك الصور الآن، ونبحث عنك في كل صورة وفي كل ذكرى. هل تذكر تلك الأيام يا رفيق؟ تلك الأيام الغائبة التي استحضرتها برحيلك، تلك الطاقة الهادرة التي اوقفت بلدا بكامله بالرغم من صغر عددنا؟

1625585_10154680611710578_8797993906569363177_n

الكثيرين والكثيرات يبكوك يا باسم، محقين، ولكن بعضنا ينسى في المنا ومصابنا انه بالرغم من صعوبة الحياة في معترك السياسة منذ الصغر، وبالرغم من وجع خيبات الامل وارق الظلم الواقع على غيرنا، وبالرغم من صرف كل طاقة وكل لحظة في مطاردة عالم افضل، الا انك عشت حياتك بخيارك الشخصي وهو امر لا يملكه الكثيرين. ترحل وقد ناضلت كما احببت ان تناضل، رقصت وشربت وشاركت الكثير حياتهم/ن كما احببت واخترت ان تفعل، قاومت بكل ما اوتيت من قوة كما رأيته مناسبا، عشت ثائرا مناضلا لا يفصل بين الحياة الشخصية والقضية، ولا يعيش تحت سلطة تقرر مساره اليومي، وفي هذا لا عزاء يا رفاقي ورفيقاتي! لا يمكننا ان ننظر الى مسيرتك النضالية كسبب لموتك بعد ان كانت كل حياتك وحياتنا. لا يمكننا ان نرى انك حرقت شمعتك بلهفتك للتحرر. نتذكرك كثائر عاش كما اراد وكما آمن انه عليه ان يعيش. في رحيل باسم وجع رحيله وفي حياته يبقى لنا شغفه وايمانه وقضايانا، فباسم مثل الكثيرين والكثيرات، لم يكن بإمكانه ان يعيش بأي طريقة اخرى! بالطبع كان بإمكانه الانسحاب من الاجتماعات ومن تنظيم المظاهرات والمبادرات، وكان بإمكانه تصميم صفحات اقل والنقاش اقل وشرب سجائر اقل، وان يهمل صحته اقل. كان بإمكانه ان يعمل في مصرف او في شركة استيراد، وان يناقش السياسة على طاولة البار فقط. ولكن هل هذه الحياة التي نراها لباسم؟ هل هذا ما نراه لحياتنا؟ وهل منا من يريد ان يحيا هكذا؟ باسم صنع قراره وعاش قراره حتى النهاية، وفي هذا احسده واهنئه، واتمنى ان نموت، كل من اراد/ت، على قضايانا ومسيراتنا بنفس قوة باسم وشغفه بالحرية والعدالة على كل الاصعدة.

باسم، ابكيك ولن اكذب بانني لا اشعر بالغيرة من رحيلك، لكنني انحني امام مبادرتك الاخيرة هذه. لقد ابيت ان ترحل قبل ان تدعونا الى اجتماع اخر، الى مبادرة صلح عائلية والى مؤامرة نضالية. هاهي لوحة “الريسك” بحجارة شوارعها كما تركتها مفتوحة امامنا يا رفيق. الخيار بيدنا، الاستسلام ام الاستمرار بقوة نستمدها من ارثنا معك ومن خطنا الثوري. قد لا نستطيع لوم الموت الطبيعي ولا الذبحات الصدرية وقد لا ننجح بإسقاط الموت. وقد يرى البعض فيما نقوله عبارات رنانة فرغت من محتواها منذ زمن، ولكننا اثبتنا مرة بعد مرة اننا قادرين وقادرات على زعزعة استقرار النظام، وعلى اسقاطه فيما بيننا. انظر الينا اليوم يا رفيق كيف نظمنا صفوفنا وركضنا بكل لهفة لنحمل بعضنا البعض في وجع رحيلك.  لقد ذكرتنا بقوتنا يا باسم. اين انت الآن لتضحك ساخرا وتقول “شكرا قطر”؟

نعم قد نحتاج وقتا نفقد فيه الامل… اكثر، ووقتا نبكي فيه رحيلك.. اكثر، ولكننا اذا تعلمنا درسا من كل هذا الوجع فهو اننا اقوى واجمل من انظمتهم كلها، واننا ان اردنا فنحن هنا، وما زلنا قادرين وقادرات على مواجهة كل مصاب … اذا تجمعنا في تلك الشقة مرة اخرى، ولو مجازيا. او اذا تذكرنا ما جمعنا قبل ان تفرقنا الحدود والتكتيكات، بمقدورنا ان نقف سوية مرة اخرى، كتف الى كتف، هزة خصر الى هزة خصر، تحت المطر وامام عنف النظام في خط المواجهة الاول لنتعب قلوبهم… اكثر. الوضع سيء الآن لا شك، ولكن في صورنا الماضية وضع يشابهه خيبة، وبالرغم من هذا كله كنا نقف ونحتل مساحة لنا في وسط كل الخيانات والسياسات الاصلاحية وخيبات الامل والهزائم. الوضع لم يكن مختلفا ولكننا كنا نحن المختلفين، واليوم نجد انفسنا امام هذا السؤال مرة اخرى. ليس بمقدورنا ان نوقف رحيلك، ولكن بيدنا ان نحمل هذا الاجتماع الاخير معك ليكون شرارة تؤكد كل ما كتبته وصنعته يا رفيقي، ونعود لنتآمر مجددا في محاولات اخرى لاسقاط انظمتهم كلها. ان نكمل مسيرتنا التي بدأناها سوية، نشرب كاس نضالك وحياتك ونعدك ان لا نستسلم حتى الرمق الاخير… طبيعيا كان ام لا، “برصاص او بلا رصاص”!

1959305_10153885127580416_1628501854_n

وداعا باسم. كاسك يا رفيق، كاس الثورة الدائمة.

 

Leave a Response

Please note: comment moderation is enabled and may delay your comment. There is no need to resubmit your comment.

rssBlog EntriesComments