Leil-Zahra Mortada

making noise, and more noise

بين تعري الجسد وعري الازدواجية

من اهم ما في ظاهرة مجموعة “فيمن” انها ادت الى تأجيج النقاش حول مواضيع هامة جدا في العمل النسوي وتيارات الاستعمارية الجديدة في الحركة   النسوية الاوروبية، كذلك حول رهاب الاسلام والعنصرية المتخفيين بغطاء  ما يعرف بحقوق الانسان وحقوق المرأة.  أعادت المجموعة الى المساحة العامة، بإشكاليتها وليس بمجهودها، االنقاش حول الجسد والعري وتكتيكات النضال والاساليب المستعملة، وأيضاً حول التمثيل  الجندري وتمثيل جسد المرأة حسب المخيلة الأبوية. لقد  اشعلت مجموعة “فيمن” كل هذه النقاشات المهمة وان كان بغير قصد وبدون مشاركة فعالة من عضوات المجموعة. قامت العديد من النسويات والنسويين العرب والمسلمات ومن أصول عربية او خلفيات اسلامية بعمل رائع لتوضيح الاشكاليات في  خطاب وتحركات “فيمن” حول الاسلام والمرأة العربية والمسلمة، وأيضا النقد والتحليل من منظار مناهض للاستعمارية الجديدة و الامبريالية والعنصرية . كما قامت العديد من النسويات والنسويين الراديكاليات في أوروبا بمجهود كبير لتسليط  الضوء على مشاكل طريقة تمثيل المرأة في صورة “فيمن” وحول سياسات وممارسات المجموعة بشكل عام. لا يزال النقاش محتدما حول الموضوع وهنا  بعض الخطوط العريضة التي تم التركيز عليها في هذه النقاشات:

تمثيل جسد المرأة: منذ بدايتها وحتى مؤخرا جدا اقتصرت مجموعة “فيمن” على اجساد النساء كما رسمتها مخيلة المجتمع الأبوي. اجساد رسمت الصورة النمطية للمرأة تحت معايير الذكورية بوضوح تام. يكفي ان ننظر الى الصور الرسمية التي تنشرها المجموعة لنرى واقعا مآساويا من ناحية التمثيل الجسدي والجندري والجنسي.

– خطاب المجموعة حول العمل الجنسي وعاملات الجنس: اتخذت المجموعة موقفا رافضا للعمل الجنسي وصورت العاملات الجنسيات كضحايا مستضعفات مستغلات في منطق بني على المزج الخاطئ بين العمل الجنسي والإتجار بالنساء واستغلالهن. كما تبنت المجموعة “حلول” لما رأينهن مشكلة في العمل الجنسي بدون اي تواصل مع العاملات الجنسيات انفسهن في خطوة استعلائية وابوية تشابه تصرفهن مع النساء في المجتمعات المسلمة والعربية.

– تحركات المجموعة حول الاسلام والنساء في الدول العربية والمجتمعات الاسلامية: هنا تجلت النظرة الاستعمارية الجديدة والممارسة الأبوية للمجموعة حيث انهن مثلن هذا التيار بوضوح مخيف وبغباء كبير سهل توجيه اصابع الاتهام اليهن واثبات التهمة سياسة وممارسة.

هيكلية المجموعة العامودية ومصادر تمويلها المشبوهة وتصريحات كارثية على لسان قياداتها امثال إينا واليكساندرا تشيفشنكو. كما ابتعاد المجموعة عن التعاون والتشبيك مع مجموعات نسوية اخرى في كل البلدان التي زاروها او اسسوا مجموعات فيها. ايضا فصل بينهن وبين مجموعات نسوية مخضرمة وشبكات واسعة من الناشطات مسافة صنعنها بأنفسهن عبر التعامل مع نضال المجموعات الأخرى بإستعلاء وتجاهل للمد التاريخي. كما  قامت المجموعة بإحتكار بعض المواضيع وسرقة الاهتمام بطريقة السيرك الاعلامي وبالتالي المساهمة في تهميش جزء لا يستهان به من الحركة النسوية.

ثم جاءت الانشقاقات والتسريبات من داخل المجموعة عن طريقة عملها وهيكليتها السلطوية وعلاقاتها المشبوهة، مما لم يساعد صورتهن المهزوزة داخل اوساط النشاط السياسي في أوروبا وعالميا. كما ظهرت   صورا لبعض عضوات المجموعة قبل تأسيسها في تجمعات يمينية او مشبوهة السياسة.

بالأضافة الى كل تلك النقاط الهامة في النقاش، تعرضت مجموعة “فيمن” لانتقادات بنيت على خطوط التمييز الجنسي وكراهية النساء، كما تجاهل المد الاكبر من المعترضين/ات مناقشة القضايا المهمة التي تمحورت التحركات  حولها وانصرف الاكثرية الى مناقشة التعري والعري. تعرضت المجموعة، تحت غطاء الانتقاد، لإهانات تؤكد الأبوية والذكورية عالميا وتظهر الازدواجية التامة في المعايير بين الرجل والمرأة تمثلت باختزلهن بعري اجسادهن وتحرك الاكثرية الى شجبهن او دعمهن بدون سماع ما لديهن من أقوال. لقد اظهر الهجوم عليهن الكثير من بشاعة وفداحة الواقع خارج وداخل دوائر النشاط السياسي. حتى الاهتمام الاعلامي الهوسي بهن مبني على نفس النظرة الأبوية والنمطية للمرأة وجسدها! أمر للأسف لم تعمل المجموعة على تغييره او رفضه، لا بل على العكس كرسته وحصرت تحركاتها وتمثيل عضواتها بإثراء المخيلة الابوية النمطية. بالرغم من تعارض سياساتي ومبادئي قلبا وقالبا مع “فيمن”، واعتراضي العميق على الكثير من نواحي المجموعة، الا ان رفض وشجب بعض ما جاء في انتقادهن وخصوصا الطريقة واللغة المستعملة امر واجب وهام وخصوصا من منطلق نسوي.

2014-03-09_15-51-11ومن هنا ننتقل الى ردات الفعل على تعري علياء وأمينة واخريات من الدول العربية (وايضا من إيران خصوصا بعد التحرك الأخير). فالبرغم من ان أمينة مثلا ابتعدت عن مجموعة “فيمن” واصدرت بعض التصريحات التي تستحق عليها التحية والمتابعة، الا ان ردود الفعل في وسائل التواصل الاجتماعي لم تختلف بذكوريتها وابويتها وانحطاطها عن ردات الفعل بحق “فيمن”. بدل الغوص في نقاش مهم وطارئ حول الجسد والجنسانية في الدول الناطقة باللغة العربية وفي المجتمعات الأسلامية (شأنها شأن باقي المجتمعات التي تحتاج وبسرعة الى جرعة نقدية حول هذه المواضيع)، تحول الاكثرية الى نقاش الثديين وحجمهما والى اختزال كل من أمينة وعلياء بعري اجسادهن. كان وكأن علياء وامينة فقدن كل حقوقهن وأصواتهن بمجرد كشفهن عن اجسادهن، وكأنهن تحولن الى جسد عاري لا أكثر. اعتبر البعض انهن المسؤولات عن هذا الاختزال، وتناسوا بأن وسيلة الاحتجاج لا تختزل الناشط/ة ضمن صندوق التكتيك الذي اختاره او اختارته للتعبير عن قضية ما. ان الهدف الاساسي والمحوري للنقاش يجب ان يتمحور حول القضية وما يطرح على الطاولة من صرخة ضد تمييز او ظلم ما.  وهنا بدل التحرك على المواضيع التي حاولت أمينة مثلا طرحها في اكثر من مناسبة، انشغلنا بالهوس في الدفاع عن شرف الأمة و”كرامة المرأة” متناسين ان حق المرأة (الواحدة) جزء من “حقوق المرأة”، وان الحرية تأتي في نفس الكيس الذي يحمل حق تقرير المصير الفردي من ناحية الجسد والجنسانية والجندر والمعتقد والممارسة… الخ الخ.

السؤال اكبر من “التعري، نعم ام لا؟” إن افتراض الحق بمناقشة اجساد اشخاص اخريات وكيف يتعاملن معها بحد ذاته يطرح اسئلة كثيرة حول ملكية جسد المرأة ووكالتها على نفسها في مجتمع ابوي ذكوري. أسئلة حول ملكية الجسد بشكل عام والمجتمع او الدين او الدولة او الأب كإقطاعي الجسد الخاص والعام. ان النقاش الدائر بحد ذاته، والاسئلة التي تتردد هنا وهناك، تطرح اشكالية كبرى حول الحق في المساءلة وحق تقرير مصير الجسد في مجتمع يقدس الخضوع التوافقي بدون تحليل او اي مساءلة للعادات والتقاليد والصور النمطية المفروضة اجتماعيا. مجتمعات ترفض وتعنف اي محاولة للإختلاف او السباحة عكس التيار بدون اي مجهود مهما صغر للتحليل. الموضوع اكبر من التعري الاحتجاجي الذي لا يتعدى كونه تكتيكا عمليا وخيارا استراتيجيا. الموضوع يشتبك مع مواضيع اشمل مثل الجسد والنوع الجندري والمثلية الجنسية والحرية الجنسية والإجهاض والصحة الانجابية والتحرش والاعتداء الجنسي والعنف الجندري وقوانين الأحوال الشخصية… الخ. ان ردود الفعل على تعري وعري أمينة وعلياء والتشابه المخيف فيها تؤكد على ان الموضوع اكبر من نقاش التعري نعم ام لا. ان التعنيف اللفظي والسخرية الابوية والذكورية والتهديدات التي تعرضن ويتعرضن لها تعري المنظومة التي نعيش فيها. وللأسف فأن هذا الموضوع شائك لدرجة ان الموضوع غير محصور بدائرة محافظة ام اصولية دينية ام مؤسسة ابوية، انه يتخطى هذا الى وباء اجتماعي سياسي يأكل في صميم حركاتنا السياسية ودوائرنا الاجتماعية. فحتى ولو ان البعض في جبهة محاربة العري ناشطات ونشطاء طروحوا اسئلة حول بعض العادات والتقاليد، ووقفوا في وجه انظمة قمعية، الا انهن/م توقفوا قبل معركة الجسد في الفضاء العام. تختلف الاسماء والتهم وتتشابه الطروحات والاهداف. في بعض الدوائر يسمونه شرف الأمة، وهناك من يعرفونه بشرف الوطن، او شرف العائلة. ثم يأتي البعض بعبارة “كرامة المرأة” وكأن كرامة المرأة تختزل بملابس معينة او عدمها. ثم يرتلون بعبارة “احترام الجسد” متناسين ان احترام الجسد يبدأ بممارسة الحرية الشخصية والمسؤولية تجاه احاسيسنا ومعتقداتنا وخياراتنا. ان الكرامة لا تتأثر بعري ولا بملابس، والاحترام لا يأتي عبر الانصياع لقوانين لا تنسجم مع ما نؤمن به لا بل تتعارض مع ابسط تعريفات الحرية الشخصية والعامة ومبادئ التحرر الثوري. وطبعا هنا تأتي الردود من ناحية “اختزال نضال المرأة بالتعري” او “اختزال العلمانية بالعري”.. وايضاً “تصوير جسد المرأة كسلعة” ثم “تحركات صنعت على مقاييس اوروبية وموجهة الى اوروبا”. يتناسى هذا الفريق ان احدا لم يقم بإختزال نضال المرأة بالعري. مثلما عندما ننظم مظاهرة ما لا نختزل نضال المرأة او أي قضية اخرى بهذه المظاهرة او هذا الشكل من الاحتجاج. التعري الاحتجاجي نوع واحد من تشكيلة اساليب الاحتجاج لا أكثر ولا أقل.  من الطبيعي مناقشة جدوى او فعالية هذا التحرك في قضية ما، انما مهاجمته كوسيلة احتجاج فهو امر يرتبط بأسباب تذكر على مدى التدوينة. الافراد الوحيدين الذين يختزلون الموضوع بالتعري، سواء العلمانية او الحركة النسوية، هم مخيم الهجوم سواء من المحافظين/ات او الليبرالين/ات او بعض الناشطات والناشطين.

أما بخصوص التعري كتحرك نسج على قياس الغرب والامبريالية الثقافية، فهو تهمة تنم عن جهل كبير في الحركات النسوية والتحررية عالميا وتاريخيا. تهمة تنساق وراء وسائل الاعلام العالمية التي تعطي الصدارة دوما للحركات السياسية ذوات البشرة البيضاء. التعري الاحتجاجي تم استعماله عبر التاريخ ولقضايا مختلفة ومتنوعة. النساء في بعض الحضارات الأفريقية على سبيل المثال تعرين تاريخيا كطريقة احتجاجية لإسقاط اللعنة على احد ما، وكانت وسيلة للتعبير عن الغضب والعقاب الاجتماعي للشخص او المجموعة الظالمة.  في بعض المجتمعات العربية كشفت النساء عن شعرهن وصدورهن كتعبير عن الحزن الشديد في لحظات الحداد، كما كشفت النساء عن أثدائهن في بعض المجتمعات كوسيلة تضرع للله وقت طلب تلبية الدعاء. كذلك قامت النساء في شرق نيجيريا بالتعري في سنة ١٩٢٩ ضمن ما يعرف بحرب النساء او شغب النساء. وكان هذا التحرك احتجاجا على اقتصاص حقوقهن وأدوارهن في الحكومات المحلية، وكحركة ضد الاستعمار والنظرة البيضاء للجسد وخصوصا جسد المرأة. تكررت طريقة الاحتجاج هذه في نيجريا في السنوات الماضية ضد  شركات النفط الاستعمارية والتي تدمر البيئة والحياة والاقتصاد، وأيضا ضد تخاذل وتعاون الحكومة مع هذه الشركات وضد عنف الدولة المنظم. أيضا شهدت ليبريا احتجاجات عارية ضد الحرب الاهلية الثانية وضمن تحركات نسائية من اجل السلم الاهلي نجحت في إجبار الرئيس على الجلوس مع المعارضة كما قمن بتطويق الجلسة ومنع الدخول او الخروج لممثلي الطرفين قبل الوصول الى اتفاق. كما شكل التعري او العري امرأ رئيسيا في نضالات مختلفة عالميا وخصوصا من قبل السكان الأصليين في قارة امريكا الجنوبية وجنوب آسيا وأستراليا. كما استعمل التعري ومازال يستعمل في نضالات مختلفة منها التحركات البيئية والنشاط السياسي ضد استغلال الحيوانات وفي حركات السلام او رفض الحرب. وكمثال ايضا، يعتبر الكشف عن الرأس في مساحة عامة في وقت كانت النساء مجبرات اجتماعيا على تغطية رؤوسهن (بالحجاب) تحرك شبيه بتحركات التعري في يومنا هذا. وهنا طبعا يجتمع تياري الشرف والكرامة (بتحويراتهم) للهتاف بأن كشف الشعر مختلف عن كشف الثديين متناسيين انه في الكثير من تلك الحالات ايضا تعرضت النساء لهجوم على سلامتهن الجسدية او النفسية او على سمعتهن ومصداقيتهن. وأنه وفي تلك المجتمعات والفترة التاريخية، كشف المرأة عن شعرها في المساحة العامة كان فعلا صادما يحمل كل قوة التحدي والثورة ومن الممكن مقارنته بكشف الثديين اليوم.

  8-march“ماذا حققن بهذا التحرك وهل غيرن من نظرة احد؟” سؤال يتكرر احيانا عند الكلام عن اعمال الشغب في التظاهرات.  يتناسى البعض ان تحدي السلطة وممارسة وكالة الانسان على جسدها يعتبر بحد ذاته فعلا ثوريا خصوصا في زمننا ومجتمعاتنا عالميا! الدليل هو النقاش الحاصل حاليا. لو لم يكن التعري اشكالية كبرى ولو لم يكن العري النسوي نفسه كارثيا بنظر المجتمع لما كنا نناقش اجسادهن بل كنا نحاور سياساتهن ومطالبهن.  كنا بدأنا بسماع اصواتهن وكنا حاولنا انا لا نختزلهن بالعري فقط. هذا النقاش بحد ذاته، لو عملنا على تحديد نقاطه بدل الهجوم الذكوري الجاهل، لكان افادنا واغنى نضالنا السياسي بقضايا طارئة ومهمة جدا. ثم متى نجح تحرك واحد في تغيير نظرة المجتمع او التأثير على الدولة او على نظام قمعي؟! كل تحرك بحد ذاته، كان اعتصاما او وقفة احتجاجية او تعري احتجاجي او حرق مركز شرطة او توزيع منشورات سياسية، يخلق مساحة داخل الخط النضالي العريض من اجل النقاش والتحاور والمواجهة وتحدي السلطة وممارسة الحرية والحق بالتعبير. هو حلقة واحدة في سلسلة من التحركات والانشطة التي تشكل كلها المساحة النضالية العامة. وهذا بالظبط ما تقوم به الناشطات اللواتي تتعرين. فلو حكمنا على كل تحرك بحد ذاته بمعزل عن النقاش الاجتماعي الذي اثاره متجاهلين ارتباطه بحركة اوسع واشمل فسنجد اننا لم نقم بتحركات ناجحة (حسب هذه المعايير) ابدا. ليس من الممكن الحكم الآن، وخصوصا في موضوع التحرك الأخير الذي اثار الزوبعة مجددا. فلو أن الاعتراض على انهن لم يغيرن نظرة احد، علينا الانتظار قبل الحكم. النقاش ما زال دائرا والتحركات مستمرة وسنرى كيف تدور الدوائر.

تدخل بعض النسويات والنسويين مخيم الرفض التام لهذا التحرك من منطلق رفضهم لاستعمال جسد المرأة كسلعة والسقوط في فخ ما يريده الاعلام والمجتمع الذكوري في استغلالهم الواضح والمقرف لجسد المرأة. هنا توجد اشكالية كبيرة، اهمها اهمال جانب  هام جدا من الموضوع وهو طواعية الأختيار وامتلاك النساء من الناشطات في التعري الاحتجاجي قرارهن. ان تحركهن السياسي يختلف تماما، قلبا وقالبا، في مسبباته ومنطقه وطريقة تنفيذه والرسالة من وراءه عن الاستغلال الاعلامي والذكوري لجسد المرأة. يغفل هذا المخيم ديناميكيات القوة في المجتمع الأبوي، وسيطرة الذكورية على وسائل الاعلام والفن والرأسمالية بشكل عام. ويغفل ايضا ان كشف امرأة عن جسدها بقرارها الشخصي وبتحدي سياسي يختلف جدا عن ما نشاهده على شاشة التليفزيون. وهنا يدخل الاستخفاف المتمثل بجملة “يعني نقدر نقول على ممثلات البورنو مناضلات؟” للأسف مرة اخرى نقع في فخ الجهل في تاريخ الحركة النسوية والحركات التحررية في الجندر والهوية الجنسية. مثلما لا نستطيع التكلم عن التعري بدون تحديد اي تعري نقصد، وهل مشكلتنا تكمن في التعري الاحتجاجي او العري نفسه، يجب علينا تحديد اشكاليتنا مع البورنو. النقاش كبير جدا في الموضوع ويشابه النقاش حول العمل الجنسي وعاملات الجنس. فهناك فرق كبير بين العمل الجنسي بطواعية وخيار شخصي لأمرأة تملك قرار جسدها وبين الإتجار بالبشر والصناعة الجنسية التي تستغل النساء والأطفال (وأحيانا الرجال). يوجد دراسات كثيرة ونقاشات ما زالت نشطة حتى يومنا هذا عن البورنو صناعة وسياسة وممارسة. وتوجد ناشطات نسويات راديكاليات امثال اني سبرينكل وهي من نجوم صناعة البورنو في السبعينات، من من يقمن بعمل هام في هذا الموضوع، نشطات نسويات يتركن بصمة هامة جدا في الحركات النسوية والتحررية للجندر والجنسانية. ثم ان البورنو نفسه لم يعد تعريفا كافيا بل تعدى الموضوع الى تعريفات تحمل معاني ومواقف سياسية معادية للرأسمالية والسلطوية (مثل حركات “مابعد البورنو” وحركات البورنو المنزلي) وتوجد كتابات هامة جدا حول الموضوع. ولكن يقع الكثير في فخ السخرية السطحية والتي بنيت على جهل واضح ومخيف شكله مجتمع ذكوري ابوي كرس السيطرة والسلطوية في العقل والوجدان المجتمعي، وتنتشر هذه السخرية المنحطة بسهولة كبيرة بمشاركة عدد كبير وخصوصا على وسائل التواصل الاجتماعي مما يؤدي الى تكريس مفاهيم اجتماعية وافكار عامة لا تؤثر فقط على خطاب التعري ام عدمه وانما على قضايا كثيرة متعلقة الجسد والجنس والمرأة والسيطرة الابوية على الجسد والجندر.

ويبقى المنتصر دوما في مباراة الجهل فريق “دي مش حرية” او “مش هو ده التحرر”. يعني ايه “دي مش حرية”؟ الحرية  وبحسب تعريف القاموس “حالة يكون عليها الكائن الحيّ الذي لا يخضع لقهر أو قيد أو غلبة ويتصرّف طبقًا لإرادته وطبيعته ، خلاف عبوديّة” وأيضا جاء “حالة مَنْ لا يحكمه اللاّشعور أو الدوافع النفسيّة أو الجنون أو عدم الشعور بالمسئوليّة القانونيّة أو الأخلاقيّة ، فهي حالة الإنسان الواعي الذي يفعل الخير أو الشرّ وهو يعلم ماذا يريد أن يفعل ، ولماذا يريد ذلك ، مع وجود أسباب انتهى إليها تفكيره.” جملة “دي مش حرية” ردا على شخص قررت أن تكشف عن جسدها (هي) في المساحة العامة فيها اشكالية كبيرة. جزء كبير من الحرية ان تقوم الافراد او المجموعات بتصرفات ليست حسب مزاجي ولا تطلعاتي. وبالطبع الحرية ايضا تعطيني الحق بممارسة تصرفات او الإيمان بأفكار قد لا تعجب البعض او الكل. وهنا يأتي الرد الذهبي “حريتهم تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين”!!! (هدف مباشر في المرمى. تصفيق حاد). يعني ايه تبدأ حرية الآخرين في هذه الحالة؟ هل من “حرية” الآخرين اتخاذ القرارات حول جسدي ووكالتي على نفسي؟ او ان العري اعتداء على حرية الآخرين كما يحب ان يصور البعض؟ الحرية لا تعطي الحق لأحد بتقرير مصير شخص آخر بدون ارادتها! اما في حالة ان العري لا يعجبك، فمن حقك وحريتك ان تختار ان لا تتعرى او ان لا تنظر الى العري. الموضوع بسيط للغاية!

ثانيا مبدأ الحرية ليس مشروطا بكون الشخص جيدا او سيئا بنظرنا. قد تكون علياء المهدي شخصا لا نحبها او لا نحترمها ولكن حقها بالحرية وبجسدها لا يقل عن حقنا بحريتنا وبجسدنا. قد تكون أمينة متفقة مع مبادئنا السياسية ام لا، ولكن حقها يساوي حقنا بالحرية والجسد في كلا الحالتين. توجد ازدواجية ضخمة في نثر الشعر عن جمال الحرية والانشداق بالهتاف حرية حرية بدون رؤية الجزء الآخر وهو حرية الآخرين والاخريات التي قد لا يفصلونها على مقاسنا.

التحركات الفردية او ما يعرف ايضا بالتحركات النخبوية او المطالب الفئوية لطالما جاءت كتهمة لقمع مطلب ما بحجة أن “هذا ليس بالوقت المناسب” او ان “التحرك ضد هذا النوع من التمييز الآن قد يضر قضية أخرى”، عادة تستعمل هذه التهمة من قبل السلطة او من قبل مجموعة تتمتع بإمتيازات تسمح لها الانتظار وتعطيها رفاهية التأجيل كونها لا تعاني التمييز او القمع او التعنيف. وهنا تتنوع الحجج ومنها تقديم المصلحة العامة على الخاصة، واعطاء الاولية لقضايا “اهم” او عدم تقسيم الحركة وتشتيت الانتباه. يتناسى مرتلو ومرتلات تهمة الحركات الفردية ان الحركة الثورية التي تهمل جزء منها وتتغاضى عن ظلم او تمييز ما، تكون هي كحركة المسؤولة الاولى والأخيرة عن ازدواجية مبادئها وتقسيم الصف والتغاضي عن الظلم. من الظلم ان نفرض على شخص ما تحمل تمييز ما او معاناة ما لأجل قضية اخرى. على اي حركة سياسية جذرية ان تتحمل مسؤولية سياساتها وان ترفض بشكل قاطع غض الطرف عن اي نوع من انواع الظلم او التمييز. ليس فقط من ناحية الانسجام مع الفكر والمبادئ السياسية. ان الحركات السياسية تتحمل مسؤولية تغيير النظرة والتخطيط الاستراتيجي من ترتيب انواع التمييز حسب الاولية، الى الوعي التام بأن ديناميكيات الظلم والتمييز متصلة ببعضها وتدميرها يتطلب العمل على كل الجبهات. على مر الحركات السياسية تم استعمال هذه التهمة من قبل السلطة، ان كانت سلطة الدولة او سلطة المجتمع الابوي او سلطة العائلة. “ده مش وقته” بالمصري و”هلق مش وقتها” باللبناني! فلنعري الموضوع، لن تسقط حكومة ظالمة ويتجلى عالم افضل بدون انهيار الانظمة الذكورية والمجتمع الابوي المزروع في كل شخص فينا. ولنكن واضحين مع انفسنا، كلنا نحمل المجتمع الذكوري والأبوية في داخلنا وفي ممارساتنا اليومية، وهذا لن يتغير بدون المواجهة الاكبر والاصعب، مواجهة السلطوية التي زرعت فينا.

وهنا يأتي معللوا رفض التحرك بأن لا خطر على حياة أمينة اذا لم تتعرى، ويسألون عن الداعي. من المثير للاهتمام هنا ان حتى هذا المخيم باكثريته الساحقة لم يسمع امينة تتكلم نصف دقيقة. يسألون عن الداعي ويسدون آذانهم/ن مستمرين بالغناء على موال الرفض. صحيح ان حياة أمينة ليست بخطر اذا لم تتعرى، لا بل على العكس، فهي تضع نفسها في خطر عندما تقوم بالتعري الاحتجاجي، وقد دفعت ثمن هذا عاليا. ولكن هنا ندخل في نقاش اعمق وفي صميم نضالنا السياسي. كم منا نحن الناشطات والنشطاء في المجتمع السياسي المخملي مطالبنا مرتبطة بأمور تهدد حياتنا فعلا؟ فلنتكلم بصراحة! وهل تهديد الحياة او خطر الموت هو المقياس الوحيد لاحقية القضية؟ وان كان الأمر كذلك فعلينا قلب الطرح، إن أمينة وأمثالها فعلا في خطر بسبب مارستهن لمعتقداتهن السياسية والشخصية.  طبعا كلنا لدينا الحق في اختيار او ترتيب اولياتنا النضالية (بدون تهميش او اهانة النضالات الاخرى)، وكلنا  هذه تشمل أمينة وعلياء. ان حقوق المرأة والانسان لا تتجزأ ولا تجتزء. ان الحقوق هي حقوق شاملة ولا تقبل التمييز حسب أهوائنا وموافقتنا على اسلوب حياة الشخص او عدمها. ان المرأة التي نتكلم عن حقوقها ليست المرأة التي صنعتها المخيلة الأبوية، ليست الأم النقية التي لم تعرف هزة الجماع في حياتها بالرغم من انجابها لنا. المرأة هي بكل تنوعها واختلافها، هي الام والاخت والعانس والمتزوجة والساحرة الشريرة والجنية فاعلة الخير والعذراء والشبقة واللطيفة والوقحة وعاملة الجنس وعاملة المصنع وبائعة الفول والعاطلة عن العمل… الخ.

يبقى فريق الرفق بالمجتمع، الحبايب في فريق الصدمة! موسيقى حزينة ترافق المشهد. “لقد صدمت المجتمع بفعلها هذا!” يا للهول! “ولماذا اختارت هذه الطريقة الصادمة يا ترى؟ ها؟” الحقيقة اننا نعيش في مجتمعات سهلة التعرض للصدمة. سهلة التعرض لنوبات اخلاقية تصيبها بالهستيريا العامة. عري امرأة يهدد شرف الأمة. الدولة الأم والوطن العذراء التي ترتدي الابيض مرتقية عن كل دنس ترتعش خجلا من بظر امرأة ظهر على الملأ. اي قطعة قماش ملونة فرضت علينا كرمز منذ زمن ليس ببعيد في التاريخ الانساني تصبح قدسية مهددة لو مست جسد عاري او لمست الارض. ثم نتناسى ان مجتمعاتنا تهوى الصدمات وخصوصا الجنسية. واقع نلوم علياء عليه كما فعل بعض النشطاء الذين احتجوا على ان فيديو علياء المهدي حصل على ملايين الزيارات بينما فيديوهاتهم لم تحصد ١٪ من هذه النسبة. علياء لا تتحمل وحدها مسؤولية خيال المجتمع المريض، او اشتياق او هوس الكثيرين برؤية جسد المرأة العاري في مجتمعات وعادات وتقاليد تدمر هوياتهم/ن وحياتهم/ن الجنسية والجندرية، وتصادر متعتنا واحتياجاتنا الجنسية والعاطفية.  كلنا، نحن المجتمع، نتحمل مسؤولية هذا. الكلام عن حق عاملات الجنس بحرية تقرير مصيرهن وعملهن يصدم المجتمع. الكلام عن قلب نظام الحكم يصدم المجتمع.  سميرة إبراهيم صدمت المجتمع في مصر عندما خرجت بكل قوتها وثورتها خلال قضيتها ضد الاعتداءات الجنسية التي تعرض لها معتقلات المجلس العسكري في ٩ مارس/آذار. مجرد كلامها علانية عن الاعتداءات الجنسية كان صدمة كبيرة، ولكنه كان داخل دائرة الأمان الاجتماعي لسهولة اختزالها بفتاة تدافع عن شرفها. وهنا كلنا على علم بتعريف “الشرف” وشرف من يقصد المجتمع عندما يتكلم عن شرف المرأة. ان تعريف الشرف في المجتمع الذكوري بحد ذاته اشكالية كبرى ومن اكبر دلائل مصادرة وكالة النساء على انفسهن. وهذا مثلا بعض ما تقوله امينة في مقابلاتها وعلى جسدها خلال التحرك، هذا اذا اهتممنا بسماع اقوالها بدل التحديق الأبله في ثدييها.

o-AMINA-FEMEN-570كل من أمينة وعلياء وأخريات، لديهن افكارهن السياسية ومبادئهن وأفكارهن، وقد حاولن ان يتحركوا حسب هذا ودفعوا الثمن غاليا. كلهن لديهن حق ان نسمعهن، ومن واجبنا ان نتحاور معهن ونسمعهن ونسألهن ونسائلهن عن  السياسة والمطالب والفكر او الافكار المختلفة التي يحملونها. من واجبنا ان ننقاش ونسمع ونحلل ونرد ونسمع مجددا قبل ان نحكم. ان نسمع بدون ان نختزل القضية بالعري ولا التعري. ان نناقش النقاط المطروحة من الحق بالجسد والسيطرة الابوية والذكورية والهجوم على جسد المرأة ان كان من قبل وسائل الاعلام الرأسمالية والذكورية، ام من قبل المجتمع الابوي بكل من فيه، من ليبراليين/ات او ناشطات/ين من اليسار او من القوى الرجعية والمحافظة. علينا ان ننظر لمطالبهن وطروحاتهن وان نناقشها بدل قضاء الوقت بالكلام عن اجسادهن وما يجب عليهن فعله ام لا. هناك اشكاليات كثيرة في سياسات علياء المهدي مثلا وفي سطحيتها البلهاء احيانا. هناك نقاط اختلافية مع أمينة تستحق المناقشة والتحليل، وهناك اشكاليات اكبر واخطر في خطاب مريم نمازى (المشاركة الايرانية في تحرك الثامن من مارس/آذار 2014)، ولدينا الكثير من النقاط التي يتوجب علينا مناقشتها ومواجهتها وفي بعض الاحيان نقضها في خطاب نسويات مثل نمازى وعضوات “فيمن” ومن يستغل الموضوع لتمرير اجندات يحكمها رهاب فئات مختلفة. اجندات تحركها كراهية وعنصرية ومطالب خطيرة تؤثر على حياة الكثيرين/ات، كما تصب في صميم رهاب الاسلام والعرب والمهاجرين/ات وتخدم العنصرية والاستعمارية والامبريالية. لدينا الكثير من العمل الطارئ على كل هذه النقاط وخصوصا في النشاط النسوي محليا وعالميا، ولكن لا يمكننا ان نبدأ هذا بتقويض مفاهيم الحرية وملكية الجسد والوكالة على النفس. لا يمكننا ان نبدأ هذا العمل بتكريس المفاهيم الذكورية والابوية والمنطق السلطوي وحتى ان كان من منطلق السخرية. نحن من نقوم بإختزال كل هذا بالعري والتعري!

نحن من نعاني رهاب العري! نحن من نتسبب بحصر النقاش بالعري ونختزل النقاش ونضعه في صندوق ضيق يمنعنا من التوسع فيه. نحن من نهمش الاصوات المختلفة التي من الممكن ان تكون ضد سياسات “فيمن” ولكنا تريد طرح بعض القضايا للنقاش. نحن من نحول تحركا فرديا وان كان سياسيا وان كنا نتفق معه ام لا، الى ظاهرة اجتماعية وسياسية تأكل وتهمش النقاشات الاخرى بسبب هوسنا بعري الجسد بالرغم من خوفنا منه. ما زلنا نخاف ان نتكلم عن حياتنا الجنسية او خياراتنا في المتعة واللذة. نخاف ان نواجه حقيقة اجسادنا وان نرى القدر الرهيب من السيطرة التي يمتلكونها علينا والتي زرعوها فينا. نتأرجح بين شجب من تتعرى وتهميش من ترتدي الحجاب او العكس، نقدس من يلبس على مقاسنا ونحرق من يتجرأ او تتجرأ ان يطالبوا بفرديتهن/م. نرفض من يغرد خارج السرب (حسب انتمائتنا الاجتماعية) ونحاربه خوفا من هز معتقداتنا او مواجهة الحقيقة الموجعة لمجتمعاتنا. ننجر الى الدفاع الهجومي بدون ان نسمع او نحلل، ننجر بكل خوف من ان نواجه الوحش الكاسر الذي نحمله في داخلنا. ننجر الى ترديد عبارات تتنافى مع ما ننشده من اغاني سياسية وثورية. إن تدخل الدولة والقانون والمجتمع والدين في ما يلبسه الافراد ام لا، في ما يمارسه الافراد ام لا، في تقرير مصير كل فرد فينا من لحظة الولادة حتى الممات امر خطير جدا، واخطر ما فيه انه يتم تطبيقه عبرنا نحن، عبر كلامنا وافكارنا وممارساتنا وحكمنا على الآخرين والاخريات. من حقنا ان نقرر مصير اجسادنا، ولكن هذا الحق ينتهي خارج حدود اجسادنا نحن. طبعا العري لن يسقط النظام كما ان شهادتك الجامعية لوحدها لن تغير عقلية المجتمع، ولا حتى وقفتك الاحتجاجية ولا منظمتك اللا حكومية ولا حتى حزبك الثوري! تغيير المجتمع والنظام يتطلب اكثر من ذلك وكل هذه اجزاء من الالية العامة التي ستغير النظام والواقع. التعري نفسه لن يغير المجتمع، ولكن احترام الحرية وحق تقرير المصير نعم.

Leave a Response

Please note: comment moderation is enabled and may delay your comment. There is no need to resubmit your comment.

rssBlog EntriesComments