Leil-Zahra Mortada

making noise, and more noise

رسالة من تحت الماء

فاقد الشيء لا يعطيه، ومن يسلب حقاً لا يعرف أن يعطي حقوقاً. لأن من يسلب حقاً فإنه يسلبه للمحافظة على هيمنة إلهية أو سياسية أو فكرية أو جندرية أو اقتصادية، أو كل هذه السلطات مجتمعةً. فمن سيتكرم بالتخلي عن عرشه من أجل من لا يعتبرهن/م، بالأصل، سواسية مع معاليه؟ “فالدنيا مقامات” و”الدنيا خلقت ناس فوق وناس تحت” والناس اللّي فوق مش رح يبصوا عللي تحت… بدون صفعة تكسر رقبتهم!

إذا كانت هذه الحقوق من حقنا ولنا، ومنا، ولا أحد يملك حق سلبنا إياها، فلماذا نكتفي بالمطالبة بها من دون أن نعيشها ونمارسها؟ لماذا نمضي أفضل سنين عمرنا ونحن نطالب ونطالب ونطالب … وفقط نطالب؟ فاقدة الشيء لا تعطيه، ولا تعرف أكثر من أن تطالب به! ومن تطالب بدون أن تمارس ما تطالب به، فإنها لا تطالب… إنها تتذمر… ويا ويلاه ما أكثر المتذمرات المضجرات!

أشعر بالألم وأنا أرى أناساً رائعات ورائعين يمضين حياتهن/م بالمطالبة بهذا وبذاك وبأولئك. أتألم وأنا أراهن يتعبن ويهجرن المطالبة من أجل حياة لا تمت إليهن بصلة، ولا تمت إلى الحياة بصلة، ولكنها موجودة ومحسوسة. أرى الباقي يستمر بالمطالبة، وبالسقوط في يأس الانتظار ودوامة الأمل السياسي بثورة لن يعيشوا ليروا منها شيئا.

لو وقفنا اليوم وقلنا للناس أجمعين إننا سنقطع الخبز عنهم/ن، ماذا سيحدث؟ بالتأكيد ثورات، واضطرابات وحرق سيارات وتكسير محلات وعصيانات مدنية! حتى إن ابنة عمي المعمول فيها خمس عمليات تجميل لن تحتاج الى ميشال عون ولا حسن نصرلله ولا الـ LBC ولا حملة I Love Bread لتحميسها للنزول الى الشارع والرقص بالعلم اللبناني ورسم رغيف خبز على أنفها الغالي الثمن. لماذا؟ لأنّ الناس يعرفون طعم الخبز ويعرفون ملمس الخبز ورائحة الخبز. بينما لو قلنا للناس إننا سنقطع عنهم المساواة، فلن يتحرك سوى “ناشطي/ات” حقوق الإنسان، والجمعيات الأهلية والدولية والأحزاب و “المثقفين/ات” وبعض الفنانين/ات الملتزمات وبعض الناس. لماذا؟ لأنّ معظم المجتمع لم يعش المساواة ابداً! لأنّ الأكثرية إن كانت تعرف المساواة، فهن/م يعرفن فتاتها اليابس العفن، ولم يروا المساواة الساخنة الطازجة سوى في الأحلام والأفلام والكتب والمناشير، وهذه المساواة لا طعم ولا رائحة لها! لأنّ من لا يعرف الشيء، لا يعرف معنى العيش من دونه، ومن يعيش من دون الشيء يظن وتظن أنّ الحياة هكذا …والدنيا هيك!

بالتأكيد كلنا مستعدات للموت دفاعاً عن قضية ما! ولكن ما لا أفهمه هو لماذا لسنا مستعدات أن نعيش قضية ما، أن نمارسها، وإذا قتلونا كردة فعل قمعية فسنكون على الأقل… عشنا يومين؟ أليس الموت دفاعاً أشرف من الموت مطالبةً؟ أليس الموت بعد أن نكون قد عشنا ثورتنا ألذّ من أن نموت محرومات من رعشة الحرية؟ ولو كانت حرية … لخمس دقائق، فمن يطالب وتطالب بالحرية يعرفوا ويعرفن أنّ الموت بعد خمس دقائق من الحرية أفضل ألف مرة من حياة بلا حرية تملؤها المطالب!

وأيضاً فإنّ تذوق ما نطالب به يعطينا القوة والغضب الهادر والنبض الثوري للدفاع بشراسة وبخبرة عما نعيشه، عن خبزنا… حقنا! إذا غيّرنا طريقة تفكيرنا من المطالبة الى عيش حقوقنا الآن وهنا، فلن نستمد قوتنا خبز يومنا من حريتنا المستعادة فقط، بل بممارستنا هذه سنهدد وجودهم وعروشهم ومقاماتهم المقدسة، وسندب الخوف في قلوبهم وستبدأ المعركة. المعركة التي سترينا من منا ومن علينا، من يطالب بصدق ومن يطالب لأنّ وظيفته أو مركزه الاجتماعي مرتبط بوظيفته المطلبية، ولذا لا يريد أو تريد تعدي هذه المطالبة. هؤلاء الذين واللواتي يطالبوننا بالانتظار لأنّ وقت حريتنا لم يحن ولأنّ وفق دراساتهم الجامعية وخبرتهم السياسية وجمعياتهم الأهلية ما زلنا في فترة تحضيرية بانتظار ثورة ما أو تغيير قانوني ما أو ببساطة لأنهم بصدد استراتيجية لنيل حقوقنا ولأنّ الوقت غير مناسب الآن. كلام فارغ وهدام! الحرية لا تنتظر، وإذا كان هناك من وقت مناسب فهذا الوقت قد حان منذ مئات السنين، من قبل أن نولد. اليوم حان وقت الشارع، فليمارس ولتمارس كل من يطالب بحق هذا الحق إذا ما استطعن إليه سبيلاً. نفدت الأشجار ونحن نطبع مناشير، البارحة، منذ ألف سنة، حان وقت الثورة!

لا حاجة لنا بثورة بعد مائة عام، مضت علينا أعوام ونحن بأمسّ الحاجة إليها! مضت علينا سنين ونحن نخاف أن نمارس ثورتنا ولو حتى في حمام بيتنا! مضت علينا أعوام ونحن نعلل ونحلل ونتأمل عجزنا! اليوم حان وقت أن نبدأ بسرقة ولو دقيقة واحدة كل يوم لنمارس حريتنا غير القانونية، أن نستغل كل فرصة لنعيش ما نحن عليه، ولو كان في البدء على زوايا الشوارع المظلمة، على سطوح البنايات العالية حيث لا يرانا سوى الله الذي ليس له أيدي يطالنا بها! المهم أن نخرج من كتبنا ومكاتبنا، من أبحاثهم واجتمعاتهم الحقوقية، من نوادينا الليلية وحاناتنا اليسارية، أن نضع الكأس من يدنا ونرفعها لنصفع من هم فوق.. لنجبر من هم فوق أن يبصوا عللي تحت… وإلاّ فليشعروا باهتزاز عروشهم … فاليوم … سنحيا ثورتنا … سنحيا!

Leave a Response

Please note: comment moderation is enabled and may delay your comment. There is no need to resubmit your comment.